قراءة في رواية ” أنين الملح ” لـ محمد أحمد سعيد .. قدرة على خلق قيم جمالية عالية المستوى

Loading

نمتار / أمجد توفيق

شاعر وروائي مصري لم اقرأ له سابقا ، ولم أكن قد التقيت به ، تعرفت عليه من خلال الصديق المبدع حسن عبد الحميد في فندق بالقاهرة ، فأصر على دعوتنا إلى مقهى في خان الخليلي حيث استمتعنا بالغناء المصري العريق والرقصات الفلكلورية ، مع فيض من حديث شيق قاده المبدع محمد بكثير من الذكاء وخفة الدم ..

أهداني روايته ( أنين الملح ) فوعدته بقراءتها ..

رواية صدرت عن دار الوهيبي 2026 ، ب 168 صفحة من القطع المتوسط ، موزعة على خمسة وعشرين فصلا ، كل فصل يرتكز على قاعدة موحدة ومن خلالها يرتبط بالفصول البقية ، وكأنه يستعير قاعدة الأواني المستطرقة في بناء روايته .

بدءا من العنوان الذي يشكل العتبة الأولى للرواية يأتي الاهداء الغريب ( إلى حلاق بسيط علمني أن الألم واقع وأن المعاناة منه اختيار ، وإن بعض الناس لا يعانون لأنهم يتألمون ، لكن لأن أخلاقهم صارت هي الألم ).

ليشكل عتبة أخرى لفهم عالم يبنيه المبدع محمد أحمد سعيد عن رجل بخيل يكنى ب المر ، وهو رجل ( لم يكن يبخل ليحفظ المال ، بل ليحفظ الألم ، فالألم عنده غاية والحرمان لذة مكتملة ، لذة لا ينافسها شيء ).

وعندما يصبح الجوع متعة ، فإن هذه الشخصية الغريبة تفوق ما نعرفه عن الشخصيات التي اشتهرت بالبخل .

يتغلل الراوي في الحارة المصرية ويخضعها إلى مجهر دقيق التشخيص ، فيكشف تناقضاتها ، كرمها ، واحتفالاتها ، علاقاتها ، وكيف تتكون الفكرة وتتحول إلى قناعة لا ترد ، ولا يظهر المعدن الأصيل لجوهرها إلا عند المحن حين يواجه الإنسان قدره دون معين .

عبر جمل وعبارات قصيرة لا تشكو من ترهل أو إسهاب يتابع الراوي حيوات أبطاله وأحلامهم في بناء مستقبل يشكل الرد على واقعهم المطعون بالفقر ، فتبدأ المغامرة ، حيث اللجوء إلى البحر للبحث عن أفق جديد للحياة ، ينجح القليل ، ويبتلع البحر غالبيتهم ، ومن ينجح ، يشعر أن بداخله أنينا لا يسمع في الضجيج إنه ( أنين البحر ، لا يسمعه إلا من ابتلعه البحر ).

ما يجلب الانتباه في هذه الرواية أن المبدع محمد أحمد سعيد استطاع أن يحتفظ بالقدرة على السخرية وسط مشاهد غاية في القتامة ، واستطاع أن ينفذ إلى دواخل شخصياته بطريقة تؤكد معرفته الدقيقة بالجذر الحي لكل شخصية ، ما يؤهله لالتقاط خرائط الحركة والتفكير بكثير من الدقة والاقناع .

رواية ( أنين الملح ) رواية جادة تعزز ثقتنا بالمشهد الثقافي في مصر ، وقدرته على خلق قيم جمالية عالية المستوى .