![]()
نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي

أدخل الذكاء الاصطناعي إلى معادلة الردع عنصرًا لم يكن حاضرًا بهذه القوة في النظريات التقليدية، هو احتمال انتقال جزء متزايد من عملية التقدير والاختيار والاستجابة من الإنسان إلى الآلة. وإذا كان استخدام الحاسوب في دعم القرار العسكري ليس جديدًا، فإن التطور الراهن يختلف من حيث السرعة وحجم البيانات وقدرة الخوارزميات على تحليل الموقف واقتراح البدائل، بل وتنفيذ بعض المهام بدرجات متفاوتة من الاستقلال. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الكفاءة العسكرية إلى جوهر الاستراتيجية:
أين ينبغي أن ينتهي دور الآلة، وأين يجب أن يبقى القرار للإنسان؟
وقد تناولتُ في كتابي (مدخل إلى الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال العسكري) جوانب من هذه المعضلة عند مناقشة الأنظمة المستقلة ودعم اتخاذ القرار والمخاطر الأخلاقية والتشغيلية والاستراتيجية المرتبطة بالاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي (خماس، 2025). غير أن إدخال هذه التقنيات في منظومة الردع يضيف مستوى آخر من الخطورة؛ لأن الخطأ هنا قد لا يؤدي إلى خسارة تكتيكية أو فشل مهمة فحسب، وإنما إلى سوء تفسير نيات الخصم أو إطلاق سلسلة من الأفعال وردود الأفعال يصعب إيقافها.
وتتمثل المشكلة الأولى في ضغط الزمن. فكلما ازدادت سرعة اكتشاف التهديد وتحليله والاستجابة له، تقلص الوقت المتاح أمام القيادة السياسية والعسكرية للتفكير والمراجعة والتأكد من صحة المعلومات. وقد يبدو امتلاك دورة قرار أسرع من الخصم ميزة واضحة، لكنه قد يتحول في الأزمات الحادة إلى مصدر للخطر؛ فإذا اعتقد كل طرف أن التأخر دقائق قليلة قد يفقده قدرته على الرد، فقد يميل إلى اتخاذ القرار اعتمادًا على مؤشرات أولية أو غير مكتملة. وهكذا يمكن للسرعة التي يفترض أنها تعزز الردع أن تصبح عاملًا يضعف الاستقرار الاستراتيجي.
وتزداد الخطورة بسبب اعتماد الخوارزميات على تفسير الأنماط لا فهم النيات. فالآلة تستطيع رصد حركة القوات أو الاتصالات أو النشاط السيبراني، لكنها لا تدرك بالضرورة السياق السياسي والنفسي الذي يفسرها. وقد تكون حركة عسكرية استعدادًا للهجوم، أو مناورة تدريبية، أو إجراءً دفاعيًا اتخذه الخصم لأنه يخشى هجومًا وشيكًا. وإذا أخطأت الخوارزمية في تصنيفها، فإن المعضلة القديمة التي تناولها جيرفيس، أي سوء الإدراك. (Misperception)، تعود بصورة جديدة، ولكن بسرعة وحجم أكبر بكثير ويضاف إلى ذلك التحيز الآلي. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ؛ وإنما يعتمد على البيانات التي تدرب عليها والافتراضات التي وضعها مصمموه. فإذا كانت البيانات ناقصة أو متحيزة، أو نجح الخصم في التلاعب بها، فقد تنتج الخوارزمية تقديرًا يبدو دقيقًا وموضوعيًا وهو في الحقيقة خاطئ. وقد يكون ذلك أخطر أحيانًا من الخطأ البشري، لأن الثقة المفرطة بالتكنولوجيا قد تدفع صانع القرار إلى قبول توصية النظام باعتبارها أكثر يقينًا مما هي عليه.
أما المسألة الأكثر حساسية فتتعلق بالأسلحة الذاتية. فكلما ازداد استقلال النظام في اختيار الهدف وتوقيت الاشتباك، أصبح الحد الفاصل بين القرار البشري والقرار الآلي أقل وضوحًا. وقد تكون هذه الأنظمة ضرورية للاستجابة السريعة لهجوم واسع بالصواريخ أو المسيّرات، وبذلك تعزز الردع بالمنع؛ لكن منحها حرية واسعة في استخدام القوة قد يؤدي إلى اشتباك أو تصعيد لم تقصده القيادة السياسية أصلًا. ولهذا تؤكد السياسات المتعلقة بالأنظمة الذاتية ضرورة المحافظة على مستويات مناسبة من الحكم البشري والمسؤولية في استخدام القوة.
وتصبح المشكلة أكثر خطورة في الردع متعدد المجالات؛ لأن قرارًا آليًا في مجال واحد قد يولد نتائج في مجالات أخرى. فقد يفسر نظام دفاع سيبراني نشاطًا معينًا بوصفه هجومًا، فينفذ استجابة تؤثر في شبكة قيادة عسكرية للخصم؛ فيفسر الخصم ذلك باعتباره مقدمة لهجوم تقليدي ويرفع جاهزية قواته الصاروخية؛ فتقرأ خوارزميات الطرف الأول هذا التحرك بوصفه دليلًا إضافيًا على قرب الهجوم. وهكذا يمكن أن تنشأ حلقة تصعيد متبادلة بين أنظمة تستجيب بعضها لبعض بسرعات تتجاوز قدرة الإنسان على التدخل.
ولا يقتصر الخطر على الخطأ غير المقصود، فهناك أيضًا الخداع المتعمد. فالخصم الذي يعرف أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تبحث عن أنماط معينة يستطيع محاولة إنتاج إشارات كاذبة لتضليلها، من خلال النشاط السيبراني أو المعلومات المزيفة أو الأهداف الوهمية أو التلاعب بأجهزة الاستشعار. وهنا تدخل المنافسة الاستراتيجية مرحلة يصبح فيها السؤال ليس فقط: ماذا يرى الخصم؟ بل ماذا تعتقد خوارزمياته أنها ترى؟
وتبلغ المشكلة أقصى حساسيتها عندما تتصل بالقوات النووية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحسين الإنذار المبكر والاستطلاع وحماية القيادة والسيطرة، لكنه قد يثير في الوقت نفسه مخاوف الخصم من أن قدرته على الضربة الثانية أصبحت أكثر عرضة للاكتشاف والاستهداف. وإذا اعتقدت دولة أن خصمها يستطيع تعقب قواتها الاستراتيجية وتهديد قدرتها الانتقامية، فقد تميل في الأزمات إلى رفع الجاهزية وتسريع قراراتها، وهو ما يمكن أن يضعف الاستقرار بدلًا من تعزيزه
ومن هنا يصبح الحفاظ على الإنسان داخل دائرة القرار أكثر من مجرد مطلب أخلاقي؛ إنه ضرورة استراتيجية لإدارة التصعيد. فالإنسان يستطيع النظر إلى السياق، وقراءة النيات السياسية، والتوقف أمام نتيجة غير متوقعة، وإعادة تقييم المعلومات، وهي وظائف لا ينبغي افتراض أن الخوارزمية تستطيع أداءها بالحكمة نفسها مهما بلغت سرعتها الحسابية. ولا يعني ذلك رفض استخدام الذكاء الاصطناعي في الردع. على العكس، فهو يستطيع زيادة قدرات الإنذار والدفاع والصمود وتقديم خيارات أفضل للقيادة. لكن ينبغي أن يبقى وسيلة لتحسين القرار لا بديلًا عن الحكم الاستراتيجي.
وهكذا تظهر مفارقة أساسية: قد يجعل الذكاء الاصطناعي الردع أسرع وأدق وأكثر تكاملًا، لكنه قد يجعله أيضًا أكثر هشاشة إذا اختصر الزمن اللازم للتفكير وزاد احتمالات الخطأ وسوء الإدراك….يتبع








اترك رد