![]()
نمتار / القاهرة – حمدي العطار/ حسن عبد الحميد

حين تضيء القاهرة أنوارها للثقافة لا يكون المشهد فقط افتتاح مهرجان بل استعادة لذاكرة مدينة طالما كانت ملتقى العرب وموعدهم مع الكتاب والشعر والفكر والفن. وفي ليلة ثقافية استثنائية فتحت قاهرة المعز أبوابها أمام نخبة من المبدعين العرب معلنة انطلاق فعاليات مهرجان النور التاسع للثقافة والفن، في دورة اختارت المفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان عنوانا لها وشخصيةً للاحتفاء بمشروعه الفكري والثقافي.

من مصر إلى العراق ومن فلسطين إلى المغرب والجزائر وتونس ولبنان واليمن والسعودية، حضرت أصوات عربية متعددة في مكان واحد لتقول إن الثقافة ما زالت قادرة على صناعة ما تعجز عنه السياسة أحيانا: جمع المختلفين حول طاولة واحدة وتوحيدهم بالكلمة والإبداع.
ليلة بدأت بالموسيقى وانتهت بالشعر
لم يكن الدخول إلى أجواء المهرجان تقليديا فقد استقبلت فرقة موسيقية الحضور بمقطوعات من الفلكلور المصري لتضع الجمهور منذ اللحظة الأولى في قلب المزاج المصري الذي تتداخل فيه الموسيقى بالذاكرة والشارع بالفن والتاريخ بالحاضر.

ثم جاءت كلمة الكاتب الكبير أحمد الصائغ لتمنح الافتتاح بعده الثقافي، مؤكدا أن الثقافة ليست ترفا ولا نشاطا هامشيا، وإنما قوة فاعلة في التقريب بين أبناء الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.
ولم تكن الإشارة إلى القاهرة عابرة فالصائغ استعاد الدور التاريخي للمدينة في احتضان الأدب والفن والفكر باعتبارها إحدى أهم العواصم التي تشكلت فيها ملامح الثقافة العربية الحديثة.

لكن اللحظة الأبرز في الافتتاح كانت مع الإعلان عن شخصية الدورة: عبد الحسين شعبان.
لماذا عبد الحسين شعبان؟
اختيار شعبان لم يكن تكريما عابرا أو مجاملة ثقافية بل بدا وكأنه محاولة لاستعادة صورة المثقف الذي لا يحبس نفسه داخل تخصص واحد. فهو الكاتب والمفكر والباحث الذي اشتغل على قضايا الفكر والسياسة وحقوق الإنسان والحوار والتعايش والسلام، وظل حاضرا في النقاشات العربية بوصفه صاحب مشروع تتقاطع فيه الثقافة مع الأسئلة الكبرى التي تواجه الإنسان العربي.
ولهذا بدا الاحتفاء به في القاهرة ذا دلالة خاصة فالمهرجان لا يكرم اسما من الماضي بل يضع تجربة فكرية حية أمام جمهور جديد ويفتح من خلالها أسئلة الحاضر.
وخلال الحفل عرضت مجموعة من الأفلام التسجيلية التي تناولت نشأة شعبان ومسيرته الفكرية والثقافية، وقدمت صورا من تجربته وحضوره في الحركة الفكرية العربية المعاصرة.
شهادات في رجل الفكر
وتوالت الكلمات والشهادات التي تناولت تجربة شعبان بمشاركة سمير حياشنة، أمجد توفيق، لورابي هائل، عاطف المغاوري، وخالد قنديل، حيث ركز المتحدثون على الحضور الذي تركه شعبان في المشهد الثقافي والفكري وعلى اهتمامه بقضايا الإنسان وحقوقه والحوار والتعايش السلمي.
وبين شهادة وأخرى، كان اسم شعبان يتحول من عنوان للدورة إلى سؤال مفتوح: ماذا يستطيع المثقف أن يفعل في زمن تتكاثر فيه الصراعات والانقسامات؟ وهل يمكن للفكر أن يستعيد دوره في صناعة الحوار بدلا من الاكتفاء بمراقبة الأزمات؟
ربما كانت هذه الأسئلة حاضرة في خلفية الاحتفاء، حتى وإن لم تطرح بهذه الصيغة المباشرة.
شعبان: مصر ذاكرة الإبداع
وجاءت كلمة الدكتور عبد الحسين شعبان هادئة ومحملة بالامتنان إذ توجه بالشكر إلى مؤسسة النور على اختيار تجربته محورا لهذه الدورة، معبرا عن اعتزازه بمصر، بوصفها مدينة للإبداع والثقافة، ومتمنيًا للمهرجان مواصلة نجاحه.
وكان واضحا أن لحظة التكريم تجاوزت صاحبها فقد بدت احتفاء بفكرة أوسع هي تكريم الثقافة العربية نفسها والاعتراف بدور المثقف حين يصر على أن يكون حاضرا في القضايا الكبرى لا مجرد شاهد عليها
الشعر يرسم خريطة عربية أخرى
بعد الفكر والتكريم جاء الشعر ليقول كلمته، فالمهرجان لم يرد للقصيدة أن تكون فقرة عابرة في برنامج الافتتاح بل جعلها واحدة من أهم علامات الحضور العربي. وتوالت أصوات شعرية جاءت من بلدان متعددة، بينها أحمد قنديل من مصر، سحر جولي من فلسطين، محمد الألواح من السعودية، خالد صبر من العراق، سنية غريب من تونس، محمد الزقم من مصر، وفاء يونس من لبنان، عائشة محرابي من اليمن، حليمة مذكر بسليمان من المغرب، ووردة زرقين من الجزائر.
كانت القصائد، باختلاف تجارب أصحابها، ترسم خريطة عربية لا تعترف بالحدود التي تفصل البلدان، بقدر ما تبحث عن المشترك الإنساني والجمالي بينها
وهنا تحديدا تبدو أهمية القاهرة: مدينة تستقبل الأصوات المختلفة، وتمنحها منصة واحدة ثم تترك للشعر مهمة اكتشاف المساحات التي تجمعها..
مهرجان يتجاوز الاحتفال
في افتتاح مهرجان النور التاسع لم تكن القاهرة فقط مسرح للفعاليات، ولم يكن تكريم عبد الحسين شعبان مجرد عنوان احتفالي. ثمة رسالة أعمق ظهرت بين الموسيقى المصرية، والكلمات الفكرية، والأفلام التسجيلية، والقصائد العربية: أن الثقافة تستطيع أن تكون مساحة مقاومة للتفكك، وأن الإبداع يمكن أن يعيد بناء الجسور حين تتكاثر الجدران.
ومن القاهرة، حيث تتجاور ذاكرة التاريخ مع ضجيج الحاضر، تبدأ دورة جديدة من مهرجان النور، تمتد فعالياتها من 3 إلى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حاملة اسم مفكر عراقي اختار الفكر طريقا للحوار والثقافة جسرا بين الإنسان والإنسان.
وهكذا لا يبدو “النور” في دورته التاسعة اسم لمهرجان فحسب بل محاولة فعلية لإبقاء الضوء مشتعلاً في المشهد الثقافي العربي؛،ضوءٌ يبدأ من القاهرة لكنه لا يتوقف عند حدودها.









