مرايا الضمير … بين العيب والعار… هل يعاقبنا الخطأ أم نظرة الناس إليه؟

 نمتار / د. ياسين احمد خلف

منذ أن بدأ الإنسان يعيش في جماعة، لم تكن القوانين وحدها هي التي تضبط سلوكه، بل كانت هناك سلطة أخرى أشد تأثيراً، هي سلطة الضمير ونظرة المجتمع. ومن هنا ولدت مفاهيم مثل العيب والعار، وهما كلمتان كثيراً ما تُستعملان وكأنهما مترادفتان، مع أن بينهما فرقاً كبيراً.

فالعيب هو السلوك الذي يخالف القيم الأخلاقية والإنسانية، أو ينتهك الحقوق التي ارتضتها الجماعة لحماية كرامة أفرادها. إنه فعل يقوم به الإنسان، وقد يكون نتيجة ضعف أو جهل أو شهوة أو طمع أو لحظة انفعال.

أما العار، فليس الفعل ذاته، بل هو الأثر الذي يتركه ذلك الفعل في ضمير صاحبه وفي ذاكرة المجتمع. فالعيب قد يقع في لحظة، أما العار فقد يرافق الإنسان سنوات طويلة، وربما مدى حياته، لأن الناس كثيراً ما يتذكرون السقوط أكثر مما يتذكرون النهوض.

لكن السؤال الأهم هو: هل يدرك صاحب العار حقيقة ما فعل؟

الجواب ليس واحداً.

فهناك من يخطئ، ثم يقف أمام نفسه وقفة صادقة، فيعترف بذنبه، ويؤلمه ما ارتكب، ويحاول أن يصلح ما أفسده. وهذا الإنسان، مهما كان خطؤه، لا يزال يمتلك أعظم نعمة، وهي يقظة الضمير.

وهناك من يعرف خطأه، لكنه يرفض الاعتراف به، فيبدأ بتبريره، ويلقي المسؤولية على الظروف أو المجتمع أو الآخرين. وهنا يبدأ الضمير بالدفاع عن نفسه بدلاً من محاسبتها.

وهناك من يكرر الخطأ حتى يفقد الإحساس بأنه خطأ أصلاً، فيتحول السلوك المنحرف إلى عادة، والعادة إلى قناعة، والقناعة إلى جزء من شخصيته.

ولعل أخطر ما يواجهه الإنسان ليس خطأه، بل شعوره بأنه أصبح في نظر الناس إنساناً لا قيمة له. فعندما يقتنع بأنه فقد احترام المجتمع إلى الأبد، قد يقول في نفسه: “إذا كانوا لن يغفروا لي مهما فعلت، فلماذا أحاول أن أتغير؟”.

عند هذه اللحظة يتحول الشعور بالنقص إلى غضب، والغضب إلى عدوان، والعدوان إلى رغبة في الانتقام من مجتمع يراه قد أغلق في وجهه أبواب العودة

وهنا يتحمل المجتمع أيضاً جزءاً من المسؤولية.

فالمجتمع الذي يعاقب الخطأ مجتمع يحمي نفسه، أما المجتمع الذي يحكم على الإنسان كله بسبب خطأ واحد، فإنه قد يصنع عدواً جديداً بدلاً من أن يصنع إنساناً صالحاً.

إن الفرق كبير بين أن نقول: “لقد أخطأ هذا الإنسان”، وبين أن نقول: “هذا إنسان معيب.” الأولى تصف فعلاً، أما الثانية فتعدم مستقبله.

إن التربية الحقيقية لا تقوم على صناعة الخوف من العار، بل على تنمية الضمير. فالإنسان الذي يمنعه ضميره من الخطأ أقوى أخلاقياً من الإنسان الذي لا يمنعه إلا خوفه من كلام الناس.

ولهذا فإن علاج هذه الظاهرة لا يبدأ بالتشهير، ولا بالإقصاء، ولا بالانتقام، وإنما يبدأ بإحياء الضمير، وفتح باب الإصلاح، وتعليم الإنسان أن كرامته لا تُستعاد بالعناد، بل بالاعتراف، وأن المجتمع القوي هو الذي يكره الخطأ، لكنه لا يكره الإنسان.

 

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتأمله جميعاً:

أيُّهما أشد خطراً على الإنسان… أن يرتكب عيباً، أم أن يفقد الأمل في أن يغفر له المجتمع؟

ربما تكون الإجابة هي مفتاح فهم كثير من السلوكيات التي نراها من حولنا، والتي لا تُعالج بالعقوبات وحدها، بل بإعادة بناء الإنسان من الداخل.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours